العدد 2983 ليوم 05 حزيران 2014
 
 
صحيفة يومية مستقلة شاملة - تأسست في 14 أيار 1993
مواضيع مفضلة
 
عملية تثوير جذرية .. الإبداع والتكنولوجيا صراع أم تكامل؟
حازم خالد
إن الانقلاب البشري الكبير بدأ مطلع القرن الخامس عشر وهو ما يعرف بعصر النهضة الأوروبية، وكانت نقطة بدء التحول عندما تغيرت فيه نظرة الإنسانية من الإطار المقدس لمنطق التصورات الأرسطي الذي كان سائداً، والذي حصر مسار المعرفة الإنسانية في قالب التجريد والتأمل، إلى العلم التجريبي والدعوة إلى العلم الحسي، بدلاً عن العلم النظري.
وكان التجلي الحقيقي عندما قدمت معارف أفلاطون وأرسطارخوس على مفاهيم أرسطو طاليس في مجال الفلك والفيزياء وهو ما مهد لرد الاعتبار لكوبرنيكوس ونظريته القائلة بمركزية الشمس، هذه النقلة الكبرى في تاريخ البشرية، أو وضع العلم في مساره الصحيح تعتير الأساس الحقيقي لبناء الحضارة الغربية ومنها شهد التطور الإنساني، تحوله الكبير عبر كتاب «الأورغانون الجديد» لمؤلفه فرانسيس بيكون، وهو كتاب كترياق لكتاب طاليس، الأورغانون بمعنى الأداة ويقصد بها العقل البشري ، وكان الإبداع الحقيقي لباكون، هو الدعوة لجعل العلم في خدمة الإنسانية، ولا يتحقق ذلك بالعلم النظري، وإنما بالعلم التجريبي.ومن هذه النقطة التحولية بحق بدأت ظهور الآلة التي سدت اختراعاتها ثغرات الاحتياجات البشرية حينها، وكانت المطبعة أحد إفرازات هذه الانطلاقة الحضارية، على يد الألماني يوهان جوتنبرج، ومنها بدأ عصر تدوين المعارف الإنسانية على نطاق واسع.هذا التسلسل في اختراعات الآلة لم يكن منطلقا في فضاء تجريبي منفرداً بل كان يسير جنباً إلى جنب في تطور علوم أخرى أيضاً أوروبية المنبت مثل الفنون التشكيلية على يد بيكاسو والفلسفة على جان كالفن والسياسة على رائد الفلسفة السياسية ميكافيلي، هذا هو التسلسل المنطقي لطبيعة الأشياء، حينما يُراد إلقاء نظرة على علم من العلوم أو صناعة من الصناعات لا يتم اجتزاؤها من السياق العام لتنامي المعرفة.ومن بين هذه المعارف كان تطور صناعة الطباعة إلى أن وصلت عصر الصحافة، وحقيقة أن الصحافة ليست منافسة للكتاب فكلاهما مساران من مسارات تواصل وتوصيل المعرفة الإنسانية مكملان وليسا مضادين لبعضهما كما يحاول البعض تصوير الأمر.ويأتي في سياق ذلك التواصل التراكمي للمعرفة في مجال وسائط الاتصال بين البشر كل أجهزة الإعلام من إذاعة وتليفزيون وسينما وإنترنت واستخدامات الكمبيوتر إلى آخر ما في هذا المجال من اختراعات تعد ثمرة ونتاجا طبيعيا لتطور عملية الاتصال المعرفي وكلها تسير في إطار متناسق ومتكامل وليس مضاداً لبعضها.وقد لفت الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين الذي توفي عام 1940 الأنظار إلى العلاقة بين الفن والتكنولوجيا، فقال: الفن ممارسة اجتماعية، وهو سلعة، يشترك في إنتاجها ناشرون لتباع في السوق كي تحقق ربحاً، ولذلك فإن الوسائط التي تخلقها وسائل الاتصال الحديثة تؤثر في رؤية الفنان وفي تشكيل عمله الفني، ومهمة الفنان أن يعيد النظر في أشكاله الفنية، وفي قوى الإنتاج الفني المتاحة له، حتى يستطيع أن يطور فنه، فالشكل الفني هو البنية المهيمنة السائدة في مرحلة اجتماعية معينة، وهذا يجسد قدرة الفن على تحريك الوعي الإنساني لكي يكون مبدعاً، ويرى أن تحطيم الفصل بين الأجناس الأدبية يساهم في خلق علاقة اتصال جديدة بين الأديب والقارئ.ومن هنا جاء التساؤل عن أثر التكنولوجيا الحديثة على الفنون العربية الموجودة وهل بإمكانها الاستفادة من ذلك التقدم التكنولوجي المهول؟ وفي نفس السياق قال الناقد الراحل د. عز الدين إسماعيل: إن الأدب يتأثر بالإذاعة والسينما والتليفزيون، إلا أن أثرهما أقل عليه من تأثير الصحافة، كما أن هناك ما يسمى بالأدب الإذاعي والتليفزيوني وكذلك القصة الإذاعية والتلفزيونية والصحفية، ولكل من هذه الأنواع قوالب وسمات، إلا أن أدب الكتاب له الصدارة والأهمية والمذاق لأنه يستخلص ما في النفس والوجدان والعقل من انفلات، وبذلك سيظل الأدب حياً رغم من أنه سيكون أقل انتشاراً من الأنواع الأخري التي تفرزها وسائل الإعلام والاتصال، فالأدب كائن حي يستمد حياته من النشر وسعة الانتشار .ومن الطبيعي أن يكون للإذاعة والتلفزيون أثرهما على الأدب؛ ولكن ليس التأثير السالب كما قد يتبادر إلى الذهن وإنما هو أثر الإثراء والتنامي بفعل عامل التنافس ذلك الذي يجعل أي قطاع ما يشهد التنافس حياً تدب فيه الحركة متنبها يقظا بكل أوصاله لا سبات في خلجاته من شدة عملية التنافس.أما الشاعر والمترجم رفعت سلام فيرى أن الأدب فن متماسك والتقدم الهائل في تقنيات وسائل الإعلام لن تهدده تهديداً خطيراً، فهو يخاطب ويوفر رصيداً ضخماً من الإبداع للأجيال القادمة، لذا فهو التاريخ الحقيقي للشعوب، ومن هنا يتبين أن الأدب هو الباقي مثله مثل الشعر الذي حفظ في تفاصيل حياتنا اليومية، ولذا فالشعر باق طالما ظل الناس يتحدثون بلغتهم الحالية.إن ثورة المعلومات ستصب في خانة الأدب وهذا ما سيثري الحياة الثقافية، أيضاً لا يعني القول إن الأدب هو الباقي الوارد في الشاعر سلام وأن ما غيره من قطاعات إعلامية سواء صحافة وغيرها سوف لا تبقى بل الصحيح أن أجهزة الإعلام هي قطاع وسائط بين الأدب والمتلقي ولا شيء يجعلها تموت بل دورها مهم وحيوي ولولاها لأصبح الأدب وغيره قابعاً في أضابير محبس بعيدا عن تناول القراء والنقاد ولا يكاد يسمع به أحد مثل ما هو مستشري على هذه الكيفية الواسعة.ويقول التشكيلي د. إياد محمد الصقر في كتابه «دراسات فلسفية في الفنون التشكيلية»: القيم الجمالية ترتبط بالتكنولوجيا التي تقدم لنا الأدوات التي تجعل المادة الوسيطة أكثر طواعية في يد الفنان، اهتم علم الجمال بتحليل طبيعة الوسيط الجمالي في كل فن على حدة، فاهتم بتحليل الصوت في الموسيقى، وتحليل اللغة في الأدب، وتحليل طبيعة العلاقة بين الكتلة والفراغ في فن العمارة، ومن الذين اهتموا بدراسة المادة ودورها في الإبداع اللغوي وربط في دراسته بين الفن والتكنولوجيا أن الشاعر أو القاص يكسب المادة الصبغة الجمالية من خلال التقنية التي يستخدمها في بناء عمله الفني، وهو يرى أن الطبيعة العلمية الخالصة للمادة لا تدخل في الموضوع الجمالي، وما يدخل في العمل الفني هو تقنية المادة وعلاقاتها الداخلية وليس طبيعتها الخارجية التي تكتسب طبيعة خاصة بها داخل العمل الفني، والتقنية في العمل هو الفن وكل ما هو ضروري لإنشاء العمل الفني في معطياته العلمية والطبيعية بحيث يثير الانطباع الفني.بينما يرى الناقد د. رمضان بسطاويسي: إدخال التكنولوجيا على عملية الكتابة، وظهور ما يسمى بالكتاب الإلكتروني، جعلت بعض الأدباء يقدمون النص المصاحب للوسائط المتعددة، أي النص الذي يتضمن الكتابة والصورة والحركة، وهذا لا يعني مجرد تغيير في الأداة التي يستخدمها الأديب فحسب، وإنما تغير طبيعة الأدب ذاته، فلم تعد اللغة هي أداته فحسب وإنما أضيفت إليها تجسيدا ومؤثرات جديدة لم تكن مرتبطة بالأدب، مما قد يؤدي هذا إلى عملية تثوير جذرية للإنتاج الأدبي من ناحية الدراسة والنقد والإبداع أيضا، وقد ظهرت نماذج من هذه النصوص على الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت)، وقدمت بعض المؤسسات العربية بعض الكتب الإلكترونية، ولذلك فالأدب سوف يستفيد من التكنولوجيا مثلما استفادت الفنون الأخرى كالتصوير والموسيقى والسينما والمسرح.
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤتمر الوطني العراقي
Copyright © 1997-2017 Iraqi National Congress. All rights reserved. info@inciraq.com