العدد 2983 ليوم 05 حزيران 2014
 
 
صحيفة يومية مستقلة شاملة - تأسست في 14 أيار 1993
مواضيع مفضلة
 
حينما يتفوّقُ الانسان على الحرباء
جواد غلوم
كثيرا ما يوصف المتلوّنون من البشر بأنهم تزيّوا بزيّ الحرباء حينما تقتضي مصالحهم الذاتية ان يسلخوا جلدهم ويلبسوا جلدا اخر وفق تغيّر الاحوال وتبدل المآل لتمرير رغباتهم والحصول على مكاسب مادية او معنوية على حساب الضمير وقتل النزوع البشَري وتعكير صفاء السمة الانسانية ؛ فهم يرون ان لكل عصر لباسه ولكل حالة طرقاً اخرى للتكيف مع الوضع الراهن ، فهؤلاء يحسنون المراوغة والمزاوغة واللعب على الحبال تحقيقا لمصالحهم الشخصية ومنافعهم الماديّة ، ضاربين عرض الحائط المواقف الملتزمة ، تراهم ضاحكين وباكين معا في نفس المقام ، فرحين وحزينين بوقت واحد ، لايثبتون على حال واحدة ، يميلون كالأغصان الهشّة حيث تتجه الريح سموماً كانت أم هجيراً أم ناعسةً ، اما الموقف المبدئي الحازم والثابت فهو ضمير مستتر او غائب ولك ان تقدّره كما تشتهي ، حيث يجوز الوجهان اذا تطلّب الأمر اخفاءه او إظهاره تبعا لمطامعهم ومتغيرات الأحوال.
فمثل هذه التقلّبات والإلتواءات ان صحّت عند نهّازي الفرص غير انها لاتصح لدى من يعتبر الانسان سويّاً ذا موقف مبدئي لا يتزحزح قيد انملة اذا تعارض مع ضميره اليقظ ومشاعره السامية وأحاسيسه الانسانية الراقية ؛ فما نفع المال والجاه والنفوذ والحظوة اذا لوّثت نصاعة الانسان وأماتت ضميره وحسّه الانساني الذي بات لايميز بين الحق والباطل والصدق والكذب والفضيلة والرذيلة والعهر والطهر فالصفات النبيلة تعدّ من الثوابت التي لايمكن تليينها او قصرها او قطع دابرها وثلمها مهما تغيّر الزمن وتبدّل المكان.
هناك اكثر من وجه شبه بين الانسان المتلوّن الانتهازيّ وبين الحرباء ؛ ليس في تغيّر لونها فحسب فمن المعروف ان عين الحرباء الخارجي مخروطيّ الشكل وبهذا تستطيع ان تدوّرها 360 / درجة دون ان تكلّف نفسها تحريك رأسها وهذا نفس ما يفعله الانتهازي الذي يرى كل ما يحيطه وماخلفه ليستعدّ على التكيّف وفق ماتنوشه عينه دون ان يحرّك رأسه ويميل بفكرهِ الى رأي سديدٍ او قناعة لوجهة نظر صائبة فترى عقله يأتمر بما تراه أنظاره من شهوات وزينة وتطمح اليه نفسه دون ان يشغل بصيرته ويميط اللثام عن روحه الانسانية الغائمة بالطمع والشراهة والانانية فيفقد روح الغيريّة وتبرز انانيته وهوسه لنيل كل ماتقع عليه عينه حراما كانت ام حلالا ؛ وهناك من الحرباوات ماهو عجيب وغريب اذ يمكنها ان تحرّك كل عينٍ على حده وبشكل مستقل عن العين الاخرى تماما مثل انتهازيينا الذي يغمض احدى عينيه عن الحقائق ويفتح اخرى لرؤية مايمكن ان ترى نفسه من دنايا وأوساخ الدنيا ليستحوذ عليها ويسرقها ، فعينه المفتّحة كعين " حرباء النمر " تنفذ ببصرها حتى تحت تاثير الاشعة فوق البنفسجية التي تعمي النظر دون ان تصاب بأيّ أذى كما تستطيع ان ترى النملة الضئيلة حتى لو كانت على بعد عشرة امتار منها.
هذه "حرباء النمر " من انواع الحرباوات العجيبة الخلْق والخلُق قد شابهت تماما متلوّني مجتمعنا من ساسة بارعين في تغيير وتلوين جلودهم ومجرمين عتاة وجلاّدين تزيّوا بملمس الحمَل الوديع الصغير ؛ فهي تستطيع بغمضة عين وانتباهتها ان تغيّر لونها تبعا للمحيط الذي تعيشه خطرا كان أم نيْلا لحظوةٍ او إغراءً لأناثٍ لتعيش في مأمنٍ او تحصل على ماتريد او تشبع حاجاتها الجنسية كرد فعلٍ تلقائي على مايحدث من تغيرات تحصل في بيئتها تماما مثل لفيفنا ذوي الوجوه المتعددة الذين ينسجمون مع ايّ ظرف سياسي او اجتماعي يطرأ علينا.
اما لسانها الدبق الطويل الذي يضاهي طول جسدها فانه يمتلك قدرات هائلة وسريعة ليلقف فريسته بأسرع من لمح البصر اضعافا مضاعفة ويحسبه علماء الحيوان المختصون بدراسة اوضاع الزواحف بزمن ( ثلاثة بالمئة الف ) من الثانية الواحدة وهو مزوّد بمادة صمغية غرويّة تلتصق بالفريسة حتما ولامناص من نجاتها ابدا.
مثل هذه الحرباء نرى بعض الناس بين ظهرانينا ففي خزانة ملابسه كلّ الازياء بتعدد ألوانها وأشكالها ، جبّةٌ وعِمّةٌ وطيلسان وإزار ورداء في موسم الحجّ والعمرة والمناسبات الدينية مثلما نرى بدلات حديثة من إيف سان لوران وشانيل وربطات عنق بألوان شتى للصالونات والحفلات المخملية حينما ييمم وجهه صوب البيت الابيض وموائد القمار في لاس فيجاس وكازينوهات الساحل اللازوردي وربما سراويل كاوبوي اميركية في مزرعته العامرة بالخيول في مراعي تكساس ، وفي الجانب الاخر من الخزانة عقالٌ ويشماغ وعباءة لمسامرة شيوخ القبائل في المضائف والديوانيات وفي رحلات الصيد مع صقوره ومريديه في بوادي الجزيرة العربية.
لامناص اننا وقعنا ضحية مخلوقات عرفت كيف تستحمّ في الوحل وتغوص في مستنقعات الرذيلة وتتكيّف مع الاوضاع السياسية المتقلّبة وتنحني لأية تيارات من الريح حتى لو خالطها السموم والهجير والروائح العفنة ولاتبالي بما يرى عقلها وتخالف ضميرها – ان كان ثمّة ضمير أو عقل راجح بقي لديها -- لتشبع حاجاتها اولا وأخيرا وتعمي بصرها وبصيرتها عمّا يعاني أبناء جلدتها من قهر وضيم وحيف مثل بهلوان يتقافز من حبل الى حبل ببراعة المتمرس الحاذق الذي يميل تبعا لأهوائه ومطامعه ، ناسيا انه انسان يعيش لغيره مثلما يعيش لنفسه ولايتوانى عن سحق كل ماهو بهيّ في النفس الانسانية وقتل يقظة الضمير في اعماقه والانجرار نحو شهوات الجسد ونزوات النفس الشريرة الأمّارة بالسوء والتي لاحدود لمطامعها ورغباتها الغريبة الاطوار.
حقا لم اجدْ عاهة اكثر قذارة من التلوّن وتعدّد الوجوه ونفاق هذا وإرضاء ذاك على حساب حطّ السموّ الانساني وتمريغه في وحل المنافع الرخيصة والمكاسب التافهة ، واخشى ان مثل هذا الانسان قد سابقَ هذه الحرباء المسكينة لانها تفننت في تغيير لونها خشية من أذى قد تتعرض له او سعْياً لنيل فريسةٍ تريد التهامها لسدّ رمقها او اظهاراً لجمال ألوانها رغبةً في التناسل لكن مثل هؤلاء الذين اعنيهم قد فاقوا هذا الحيوان المسكين اضعافا مضاعفة فهم اذا امتلكوا الارض كلها نظروا الى السماء طامعين بها واذا سادوا في غفلة ما على مقدرات الناس وثارت عليهم شعوبهم خرجوا من الباب ليدخلوا مجددا من النافذة بأزياء غير ماعهدناهم ليضلّلوا الجماهير ويحكموا مرة اخرى ويتسلّطوا على رقابنا وفوق هذا وذاك نراهم ناجين من عقاب آثامهم السابقة ، تحسبهم ثوّاراً مع المعارضين ويساريين مع اليسار وإسلاميين مع الاحزاب الثيوقراطية حتى يصلوا الى مبتغاهم مسؤولين ويمثلون الحكومة في المحافل الدولية والمؤتمرات.
يالحذلقتهم وهم يلْوون رقاب الزمان بأيديهم ويفرشون للمكان بساطَهم الذي يستهويهم ، هم أناسٌ طوّعوا الزمكان وصار عجينة يشكّلونها كيفما شاؤوا بالضدّ من العقاب والثواب وتنوّع الاجيال وان لكل زمان أهله وكأنّ الدنيا آلت اليهم ومقاليد الامور بأيديهم حصرا ومفاتيح الحلول في خزائنهم ومصائر الناس طوع أمرهم .... هؤلاء فاقوا ضراوة الوحوش وأستأسدوا على بني جلدتهم وأكلوا الاخضر واليانع واليابس من خيرات الاوطان ولاعقاب يطالهم ولا أزمات تنوشهم ولا قويّ يوقفهم عند حدّهم واذا كانت الضواري تتوحش عند الجوع ومن اجل البقاء فهم وحوش في السراء والضراء اينما كانوا واصبحوا وأمسوا والغريب انه لا يقف نهمهم عند حدّ التخمة والامتلاء ؛ والاكثر غرابة انك تجدهم في الصفوف الاولى من مراتب المجتمع الذي نعيشه ومن عليّة القوم وخاصّتهم وأسيادهم ، سياسيون وقادة أحزاب ورجال دين وقانون ومستشارون وقضاة ورؤساء قبائل ووزراء ونوّاب برلمان ومسؤولون كبار في مفاصل الدولة وربما كتّاب وشعراء ومسؤولون ثقافيون وممن يقررون مصائر الناس ويسنّون القوانين والمواد الدستورية وغير الدستورية بل وحتى قادة تشكيلات عسكرية من الشرطة والجيش وإعلاميون لايشقّ لهم غبار في تبوّء المناصب الرفيعة والجلوس على قمّة مؤسسات الثقافة والاعلام .
السلطات الثلاث القضائية والتشريعية والتنفيذية ومعها السلطة الرابعة من الصحافة والاعلام معظمها وربما كلها بيد هؤلاء المتلوّنين فمتى يتمّ بنيان المجتمع السليم ويعطَى لكل ذي حقّ حقه وينال المسيء جزاءه ويصار الى تعزيز العدل والمساواة ودولة المواطنة وتنشيط منظمات المجتمع المدني ويستقلّ القضاء وتكون للقوانين الفصل في المنازعات !!
اذا كان مثل هؤلاء موجودين بهذه الكثرة في مجتمعنا السقيم الضعيف لاسيّما وانهم من صفوة مجتمعنا وفي صدارة المسؤولين الكبار والنخبة المتميزة وبيدها الحلّ والعقد؛ فقد يطيلوا الطريق الى مانهدف من مدارج الرقيّ والنموّ وسنبقى في القاع ردحا أطول مما نظنّ كما قال جدّنا الشاعر المتنبي متسائلا: أطويلٌ طريقنا أم يطولُ.. ولا تخفى نبرة اليأس المرير الظاهرة في كلام أبي محسّد.
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤتمر الوطني العراقي
Copyright © 1997-2017 Iraqi National Congress. All rights reserved. info@inciraq.com