العدد 2983 ليوم 05 حزيران 2014
 
 
صحيفة يومية مستقلة شاملة - تأسست في 14 أيار 1993
مواضيع مفضلة
 
حمدين صباحي وعبدالفتاح السيسي
عبدالإله بلقزيز

لم تكن المنافسة متكافئة بين حمدين صباحي والمشير عبدالفتاح السيسي لأسباب عدة، سيأتي بيانها، ولكن حسناً فعل حمدين حين ترشح للانتخابات منافساً للمشير، وحسناً فعل حين لم يسحب ترشيحه قبل الانتخابات . أما الوجه الحسن في ذلك فمرده إلى أمرين اثنين رئيسيين في غاية الأهمية:
أولهما، أن ترشحه حمى "الاستحقاق" الرئاسي من أن يتحول إلى مجرد "بيعة"، على مثال ما كان يجري في الرئاسيات المصرية على عهد حسني مبارك، وحافظ له على الميسم الانتخابي، حيث التنافس بين المرشحين، وحيث الاختيار الشعبي مكفول ومصون بحيث لا يجبر الناخب على التصويت على مرشح وحيد، حتى وإن كان تصويتاً سلبياً .
وبهذا المعنى يكون حمدين صباحي قد أنقذ صورة الانتخابات في بلده، بترشحه فيها، في وجه تحريض إخواني عليها كان يريحه أن لا يكون فيها سوى المرشح عبدالفتاح السيسي، كي تقوم عليه من "الإخوان" بينة بأنه ما هدف من "انقلابه" سوى "الاستيلاء" على السلطة بتوسل صناديق الاقتراع، كما في وجه تشكيك غربي (أمريكي خاصة) في نزاهة الانتخابات واحترامها للمعايير الدولية المتعلقة بالمنافسة .
وثانيهما، أن ذلك الترشح، والحملة الانتخابية الواسعة التي أمكن حمدين صباحي فيها أن يتواصل مع كتلة شعبية عريضة، في المدن والأرياف، ناهيك بنظافة الأداء في تلك الحملة في اتجاهها العام، كل ذلك يصب في مصلحة استثمار سياسي مستقبلي لصورته، ويكرسه رمزاً من رجالات مصر في حقبة ما بعد 25 يناير .
لا ينال من ذلك أن صباحي لم يحصل على الكثير من الأصوات، التي توقعتها إدارة حملته وتوقعتها قطاعات واسعة من الرأي العام، فالمعركة بين الرجلين لم تكن متكافئة، مثلما قلنا، حتى لا نغامر بالقول إنها كانت محسومة - سلفاً - لمصلحة المشير عبدالفتاح السيسي . وليس لهذا أن يعني أن حمدين صباحي لا يتمتع بالأهلية السياسية لمنافسة المشير - وهو الذي ولج ميدان الزعامة السياسية مذ كان طالباً ناصرياً في الجامعة، في سنوات السبعينات، إلى خوضه انتخابات الرئاسة في العام 2012 وحصوله على أزيد من عشرين في المئة من أصوات الناخبين - وإنما يعني أن موقفه في تلك المنافسة كان محكوماً بثلاثة عوامل نابذة أثرت سلباً في ذلك الموقف:
أول تلك العوامل أن انقساماً كبيراً حصل في صفوف القوة التي يستند إليها سياسياً: حركة "تمرد" و"التيار الشعبي" عموماً، فلقد ارتأى قسم عريض من جمهوره أن لا يترشح في وجه المشير، ثم ما لبث هذا القسم - وهو الأضخم في جمهوره من شباب الثورة - أن نقل دعمه وتأييده من حمدين إلى المشير، فكان أن فقد الأول منهما طاقة تعبوية لا يمكن التعويض عن فقدانها في معركة انتخابية صعبة كتلك التي خاضها منافساً للمشير .
وثاني تلك العوامل ما كان للهاجس الأمني من ضغط شديد على يوميات المصريين منذ إزاحة محمد مرسي عن السلطة، وما تلاها من عمليات عنف وإرهاب راح ضحيتها المئات من المواطنين: مجندين ومدنيين، وضربت الاقتصاد والسياحة . . إلخ . ولم يكن لحمدين صباحي، في مثل هذه الحال، أن يكون المرشح الأوفر حظاً لإجابة هاجس المصريين الأمني هذا، خاصة مع وجود مرشح منافس متمرس في مواجهة مسائل الأمن: الداخلي والخارجي ولم يشفع لحمدين أنه قدم برنامجاً اقتصادياً - اجتماعياً، لم يقدم المشير ما يناظره، فالهم العام - الراهن والضاغط - كان الأمن الاجتماعي في المقام الأول .
وثالث تلك العوامل أن المشير بدا مرشح الدولة، أو مرشحاً خرج من رحم الدولة، ويعرف دواخلها وأسرارها، و- بالتالي - يملك أن يديرها بكفاءة أعلى . أما صباحي فأتى المنافسة على الرئاسة من خارج الدولة التي لا يكاد أن يعرف عنها شيئاً . والدولة عند المصريين، لمن يعرف تاريخهم، هي بعد الله . وهم خبروا - حديثاً - معنى أن يحكمهم شخص من خارجها (محمد مرسي) فتنقلب أحوالهم سافلها على عاليها .
هذه عوامل ثلاثة لعبت رياحها ضد سفينة حمدين صباحي، فمنعتها من خوض سباق ناجح . على أن المشير عبدالفتاح السيسي يستحق نصره الذي أنجبه بنفسه، وبتجربته التي بدت مقنعة ومطمئنة لدى السواد الأعظم من الشعب . إذا كان ثمة طلب عام على الرجل في مصر، فهو طلب بمعنيين اثنين: طلب على الدولة في شخص أفضل من يمثلها ويحميها ويحدب عليها، وطلب على رجل بدا لشعبه بطلاً ومنقذاً في الظلمة الظلماء، حين اليأس استبد بالنفوس وبلغ منها مبلغاً . خرجت الناس لتتوج من اعتبرته منقذاً ليكمل جميله، مثلما قامت حركة على هذه الدعوة، من أجل أن يعيد إلى الدولة سلطانها المسروق وإلى المجتمع أمنه المستباح من العصابات . ولقد كانت قابلية المجتمع المصري لاستقبال فكرة الزعيم - وهي ثاوية في المتخيل الجمعي - من العوامل المساعدة في تصنيع كاريزما جديدة: كاريزما السيسي .
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤتمر الوطني العراقي
Copyright © 1997-2017 Iraqi National Congress. All rights reserved. info@inciraq.com