العدد 2983 ليوم 05 حزيران 2014
 
 
صحيفة يومية مستقلة شاملة - تأسست في 14 أيار 1993
مواضيع مفضلة
 
عزيزي القارئ .. المربد الشعري
محمد زكي ابراهيم
اعتدت في السنوات الأخيرة وخلال إقامتي في مدينة البصرة، على حضور جلسات مهرجان المربد الشعري. وحرصت على الإصغاء إلى الذين يرتقون المنصة وينشدون ما لديهم من شعر. وكنت لا أغادر القاعة إلا بعد خلوها من المدعوين. وأحضر الجلسات الجانبية التي تنعقد بشكل عرضي هنا وهناك لأن فيها الكثير من البهجة.
ولكني وبصراحة مطلقة لم أكن أجد في كثير مما يلقى شعراً ، ولم أر أن الأشخاص الذين وجهت لهم الدعوات قد انتبهوا إلى خصوصية المكان وأعدوا له عدته. بل إن بعضهم ألقى قصائد قديمة كان قد نشرها منذ سنوات طويلة.
وذات يوم اضطررت للدخول في سجال مع شاعرة شابة كانت جالسة بالقرب مني. وقلت لها متهكماً أين هو الشعر في ما يلقى. فساءها ذلك واغتمت، ونظرت لي بحزن شديد. وأعترف أنني تخطيت حدود اللياقة في ما قلت، وشعرت بالندم. وعند العشاء اغتنمت فرصة مرورها إلى جانبي فاعتذرت لها، وطمأنتها إلى أن شعرها، بكسر الشين، لا يندرج ضمن ذلك الوصف. وطلبت منها أن لا تحزن لأن رأيي ليس نهاية المطاف، وليس هو القول الفصل. ولم أزل أجزل لها المديح حتى غمر وجهها الرضا، ومضت في شأنها، وهي لا تحمل لي ضغينة أو مقتاً.
وقد حالت ظروف خاصة هذا العام دون عقد المهرجان في موعده المحدد. وربما سيتعذر عقده في ما تبقى من العام أيضاً، ولكن أحداً لم يفتقده أو يشعر بالأسى لغيابه. لقد مله الجميع أو ضاقوا به ذرعاً. وقديماً (ولا أدري متى) قال الشاعر (وأخٍ رخصت عليه حتى ملني / والمرء مملول إذا ما يرخص)!
وقد تمنيت ذات يوم أن لا يكون المربد مهرجاناً سنوياً حتى لا يصاب الناس بسببه بفوبيا الشعر! ولكنني لم أجرؤ على البوح بذلك لأصدقائي الشعراء. فقلوبهم لم تعد تحتمل مني مثل هذه الآراء. وهم معذورون في ذلك لأنهم يتمنون أن يذيعوا ما يكتبونه على الملأ كل يوم وفي أي مكان!
ولو كانت الأمور بيدي (ولا أعتقد أنها ستكون كذلك في يوم من الأيام) لأقمت بدلاً عنه مؤتمرات علمية وتربوية واجتماعية ذات طبيعة بحثية. وما يتمخض عنها يمتلك صفة القانون أو الإلزام، ولا يكون مردوده هامشياً. وبهذه الطريقة يحدث التغيير المنشود في بنية الدولة. أما الإنفاق على مؤتمرات كهذه فهو متحقق، لأن المربد ذاته يستهلك مئات الملايين من الدنانير كل عام، تدفعها الحكومة المحلية ووزارة الثقافة من ميزانيتيهما، ولا تلقيان من ورائها إلا الشتم واللعن والسخرية.
وسيكون المربد الشعري الذي يلتئم كل ثلاثة أو أربعة أعوام حدثاً مهماً، يترقبه جمهوره بشغف، ويحرص على حضوره وتطويره. ولا يرضى منه إلا بما هو مميز وجديد ونافع. وسيكون على المشاركين أن يحسبوا للأمر حسابه ويعدوا له عدته، ولا يعتلوا المنصة إلا إذا كان لديهم ما يفاجئون به جمهورهم حقاً.
علينا أن لا نكون نمطيين إلى هذه الدرجة حتى لا نقع في شرك التقليد. وهو ما لا نريده بالطبع، لأنه لا يفضي إلى أي نوع من التغيير.
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤتمر الوطني العراقي
Copyright © 1997-2017 Iraqi National Congress. All rights reserved. info@inciraq.com