العدد 2983 ليوم 05 حزيران 2014
 
 
صحيفة يومية مستقلة شاملة - تأسست في 14 أيار 1993
مواضيع مفضلة
 
مجتمع بلا بوصلة رهين العشوائية
علي حسين عبيد
مجتمع الهدف، مجتمع يسير وفق بوصلة توجّه مساراته، وتطوّر تطلعاته وفقا لأهدافه النازعة الى التغيير والتقدم دائما، ولكن هدف التغيير أو التقدم، يتحقق وفق تخطيط مسبق وبرمجة علمية متخصصة، وكما ذكرنا هناك بوصلة يتم وضعها من لدن الخبراء والمعنيين وعلماء الاجتماع والنخب، يسير وفقها المجتمع، بمعنى أوضح، لا يمكن أن يكون الانسان تحت سطوة العشوائية، ثم يتساءل لماذا نحن متخلفين؟، أو لماذا نعيش في مجتمع لا علاقة له بالعصر، لسبب واضح وبسيط، يتمثل بمجموعة العلاقات الاجتماعية المتنوعة التي تعد حاصل نشاطات فردية وجماعية، تتداخل وتشرك فيما بينها، لتنتج عنها منظومة من القيم توجّه وتحكم تفكير وسلوك أفراد المجتمع الواحد.

فالمجتمع عندما تحكمه القيم المتطورة، ويسوده التنظيم والمبادرة، هذا هو مجتمع الهدف، أو مجتمع البوصلة، بمعنى هو أبعد ما يكون عن العشوائية في نشاطاته، والسبب ايضا يتعلق بالمواطن أو الفردي الذي ينتمي لهذا المجتمع، فهناك تأثير متبادّل بين الفرد والمجتمع، وقديما قيل ضمن الحكم والامثال (من عاشر القوم أربعين يوما صار مثلهم)، إذاً يتأثر الفرد في افكاره وسلوكه وطريقة حياته بطبيعة المجتمع، ويتكون المجتمع في الوقت نفسه من مجموعة الافراد وطريقة تفكيرهم وطبيعة سلوكهم، وهكذا يحدث التناسق والانسجام بين مكونات وشرائح المجتمع، الذي يسير وفق بوصلة توجّه مساراته، على العكس تماما من المجتمع العشوائي الذي يعيش حياته بلا تخطيط ولا هدف، ولا تحكمه مسارات منتظمة، ولا تعنيه قضايا التغيير وبناء المستقبل، ولا يعتمد سياسة رسم الخطوط العريضة مسبقا، كما يحدث في مجتمعات البوصلة والهدف.

يرى علماء الاجتماع، وبعض الكتاب والمفكرين المعنيين بالطبائع والعلاقات الاجتماعية، أن تأثير المجتمع على الفرد كبير جدا، وهذا يفسر حالة الاندماج المجتمعي التي تحدث مثلا للمهاجرين من مجتمعات متخلفة الى مجتمعات متقدمة، فمثلا حملات الاستعمار للحصول على الايدي العاملة، والتجارة بالعبيد، ونقل ملايين من الأفارقة الى أمريكا والغرب من اجل الاستفادة منهم كأيدي عاملة بلا اجور، أدت بالنتيجة، الى تطور هؤلاء العمال، ليصبحوا قوة مجتمعية متقدمة ومؤثرة في حياة الشعب الامريكي، اجتماعيا وحتى سياسيا، هذا المثال يؤكد مدى تأثير المجتمع بالفرد.

ولكن ماذا ستكون النتيجة، إذا كان المجتمع أصلا بلا بوصلة؟، ولا يفهم في التخطيط، ولا تعنيه قضية وشروط وفوائد التخطيط أصلا، كونه لا يفكر بالتغيير، والسبب أن حياته برمتها غالبا ما تكون رهن العشوائية واللامبالاة، بطبيعة الحال لا يحصل الانسان على أية فائدة من مجتمع بلا هدف ولا بوصلة، على العكس مما يحصل عليه في المجتمع الذي تسير حياته وفق تخطيط وتنظيم مسبق، هنا لابد أن يتطور الانسان، بسبب انعكاس قيم وافكار وسلوك المجتمع على الفرد، فيندمج معه، ويتداخل معه بصورة كليّة.

في المجتمع العراقي، نلاحظ غياب البوصلة، وشيوع حالة اللاهدفية، وانتفاء التخطيط، وفقدان التنظيم، وشيوع ظاهرة اللامبالاة بين الجميع، رؤساء ومرؤوسين، والاسباب كثيرة متداخلة بين ثلاثية (السياسة / الاقتصاد/ الاجتماع)، فالقادة السياسيون لا يعتمدون المنهج الستراتيجي في ادارة الدولة، ينتج عن ذلك تخلخل في الاقتصاد، كما يتضح الان من واقع حال الاقتصاد العراقي (الريعي)، ولو أتينا على الوضع الاجتماعي العراقي، فإننا سنلاحظ خضوعه للعشوائية وفقدانه للهدفية، والوصلة التي توجّه مساراته.

اذا اتفقنا على أن الدولة العراقية والمجتمع العراقي، يعاني فعلا من هذه المشكلات، فإن المعالجة تصبح ممكنة، شريطة الاعتراف بالخلل والخطأ وتحديده، ومن ثم تحرك النخب والخبراء والمؤسسات المعنية الى اعتماد منهج التخطيط المسبق والتنظيم، ونبذ العشوائية التي يحاول بعض القادة ترسيخها، كونها تيسّر لهم سبل النهب والسلب والتجاوز على المال العام، كما يحدث مثلا في قطاع الكهرباء!، لذا ليس أمام العراقيين إذا قرروا الالتحاق بالركب العالمي المتطور، سوى مغادرة العشوائية وتعميق منهج الهدفية والتخطيط، والسير وفق بوصلة تصحح المسارات وتحكم توجهاتها.
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤتمر الوطني العراقي
Copyright © 1997-2017 Iraqi National Congress. All rights reserved. info@inciraq.com