العدد 2983 ليوم 05 حزيران 2014
 
 
صحيفة يومية مستقلة شاملة - تأسست في 14 أيار 1993
مواضيع مفضلة
 
الإعلام التقليدي والإعلام الجديد .. مقاربات التعايش والاختلاف
د.ياس خضير البياتي
شهد عصرنا موجات متعاقبة من التغييرات السريعة في العديد من مناحي الحياة، وحصل الشيء ذاته في الإعلام. فخلال العقود الثلاثة الأخيرة شهدنا سلسلة مستجدات ومتغيرات في أنماط ورسائل الاتصال الجماهيري، سواء الإعلام الرسمي أو الخاص، شملت اللغة والمحتوى وبالتالي أثّرت على القدرة على الاحتواء والتوجيه بما في ذلك قوانين المطبوعات والنشر، كما أثّرت على مدى وسرعة إنتشار وسائل الإعلام ورسائلها.قبل ثلاثة عقود، كان الإعلام العربي موجهاً أحاديا تحكمه قوانين المطبوعات والنشر التي ترى في الإعلام جزءاً من المنظومة الأمنية، إذ كان يتم حماية مباني الإذاعة والتلفزيون بقوات عسكرية منعاً للانقلابات التي غالبا كانت تبدأ من الإذاعة.أمّا في 2011 فقد شهدنا كيف أن التغييرات بدأت في القاهرة مثلاً من ميدان التحرير ومهّدت لها أجهزة الهاتف المحمول الذكية و(اللابتوبات). الإعلام القديم كان بدأ يتداعى في أعقاب الحرب الأهلية اللبنانية وما تلاها من هجرة الصحافة المطبوعة الخاصة إلى لندن وباريس بهدف أن تتخلص من قيود القوانين والممارسات الرسمية وحتى المجتمعية، مع أن بعضها كان يمول ليكون جزءاً من موروث الحروب الإعلامية والسياسية على الجبهة العربية.
وقد أعقبت موجة الصحف المهاجرة ظاهرة صدور الصحف الأسبوعية – التابلويدز- مستفيدة من تحديث قوانين المطبوعات والنشر مطلع التسعينات والتي سمحت للقطاع الخاص بامتلاك هذا النوع من الإعلام. ثم اكتسى النمط المستحدث صورة غير جذابة، وإن كانت أحياناً شائعة، لما استجد من رصد الأخبار الصارخة أو أحياناً إفتعالها.
ورافق ذلك انتهاك حرية الأفراد الشخصية وخروقات واضحة للقوانين على يد صحفيين صعوداً إلى متنفذين في مراكز سلطة استغلوا صحافة الإثارة لغايات شخصية أحياناً وسياسية أحياناً أخرى.وأعقب ذلك ظهور الفضائيات في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي حاملة معها تغييرات جوهرية في أنماط التواصل ومحتواه وفي تحصيل القوة الإعلامي/ السياسية، التي جعلت البعض يشبهه بقنابل نووية صغيرة من حيث قوّة تأثيرها في الردع السياسي. أنصار الإعلام التقليدي
1- نجح الإعلام التقليدي بشكل واضح في توظيف وسائل الاتصال الجديدة في خدمة مؤسساته. لذلك فإن شكل الاعلام الجديد مستقبلا سيتغير جذريا مع قدرة مستخدميه على قلب الموازنة والتعدي على قامات الاعلام التقليدي، الذي ما زال يمتلك القدرة والشهرة والخبرة.
2- هناك مبالغة كبيرة في دور الاعلام الجديد في التأثير على العملية السياسية في العالم العربي.
3- لا يزال دور الحكومات العربية في الاعلام الجديد غامضا. قد يؤدي الوجود الحكومي في مواقع التواصل الاجتماعي الى تغيير شكل المداولات السياسية. ففي المستقبل القريب، اذا كان هناك توظيف مثالي لوسائل الاعلام الجديد من قبل الحكومات العربية فسيكون هناك وجه آخر مختلف تماماً للاعلام الجديد عما نعيشه اليوم.
4- تأسيس المجتمع المدني في العالم العربي سيجر الانتباه من الاعلام الجديد الى الشارع السياسي الحقيقي.
واليوم،نرى تخبطا كبيرا وانسيابا ملحوظا وارتجالا في الطرح في مواقع التواصل الاجتماعي.وفي حال انخراط الناشطين في مؤسسات المجتمع المدني، فإن الطرح السياسي على تويتر وغيره سيصل الى مرحلة اكبر من النضج الفكري.وسيؤسس المجتمع المدني الى خطاب سياسي جديد وسيكون له بطبيعة الحال أثر في المداولات القائمة اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي البداية لعبت قنوات إخبارية- كقناة سي ان ان- دوراً رئيساً في حرب الخليج الأولى مثلاً، حتى ظن البعض أن الحرب تتم عبر برنامج 24 ساعة وتحبك خيوطها على الأثير، ساعدها على ذلك توالي الأزمات والحروب التي شاركت بها قوى دولية من حرب الخليج إلى هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة وتداعياتها، حتى إذا جاء (الربيع العربي) كانت الفضائيات بما فيها الناطقة بالعربية حاضرة بقوة.
فبعضها تستخدمها جهات متمكنة مالكة لقنوات إعلامية ضخمة وجاهزة لتعبئة الرأي العام بهدف خدمة مصالحها وغاياتها المختلفة.وفي ظل ما استقطبته بعض القنوات من ملايين المشاهدين وأيضا في ظل ما واجهته من معوقات كبيرة بالعمل الميداني، ومخاطر تعرض لها المراسلون، وكذلك التشويش المتعمد الذي تعرض له بث بعض القنوات، وإستنباط أجوبة شافية حيال المسؤولية عن حوادث وأخطاء مهنية وقعت بها بعض القنوات في التحقق من المصادر والمعلومة، وما إذا كان بعضها يقع في إطار الهفوات المهنية أم هي أجندة مدروسة.
والحلقة الثالثة في المستجدات الإعلامية السريعة تجسد بولادة الإعلام الجديد، إبتداء بالمواقع الإلكترونية الإخبارية وصحافة المواطن(Citizen.Journalism) المتمثلة بالمدونات والتعليقات، مروراً بوسائل الإعلام المجتمعي وانتظاراً لفورة الهواتف الذكية التي أضحى الجهاز منها مجموعة إعلامية وإتصالية متكاملة بآفاق تقنية لا حدود لها وإن ما زالت في بداياتها.
وكل هذا الذي استجد على الإعلام وغيّر أدواته ولغته ووظيفته أخذ يفرض تحديات جديدة مفتوحة للاجتهاد والإبداع.
فلم يعد بالإمكان التحكم بالإعلام من خلال قوانين النشر الحكومية أو أي من المقيدات التقليدية التي تضاءلت سطوتها ونشأت الى جانبها اعتبارات جديدة ينبغي علينا أن نأخذها بالحسبان. ودون شك فإن المنافسة بين وسائل الإعلام التقليدية ووسائل الإعلام الجديدة تميل لمصلحة وسائل الإعلام الاجتماعية والمواطنين الصحافيين.
ولم يعد بإمكان وسائل الإعلام التقليدية تجاهل المواطنين الصحافيين، ولامقاطع فيديو (الهواة) على يوتيوب، أو أية معلومات أخرى تتدفق عبر وسائل الإعلام الاجتماعية.
بل إن معظم الصحافيين التقليديين المحترفين يستخدمون وسائل الإعلام الاجتماعية للتواصل مع جمهورهم بطرق جديدة. ومع ذلك لايمكن تجاهل نجاح الإعلام التقليدي بشكل واضح في توظيف وسائل الاتصال الجديدة في خدمة مؤسساته.
لذلك فإن شكل الإعلام الجديد مستقبلاً سيتغير جذرياً مع قدرة مستخدميه على قلب الموازنة والتعدي على قامات الإعلام التقليدي الذي ما زال يمتلك القدرة والشهرة والخبرة .كما يظل الإعلام الجديد اليوم متأثراً بشكل كبير من قبل رجالات الإعلام التقليدي.
إن جل المستخدمين المؤثرين في (تويتر) هم كتاب الصحف التقليدية والعاملون في القنوات الإخبارية، مع بعض الاستثناءات ، حيث يتحرك الرأي العام في تويتر بناءً على ما يكتبه المستخدمون أصحاب الأعمدة في الصحف ومقدمو البرامج الحوارية، وما زالوا هم المتربعين على عرش الإعلام الجديد.
أنصار الإعلام الجديد
1 – ان الاعلام غير ادواته ولن يعود لما كان عليه في السابق خاصة وان الشارع العربي كان يتعامل مع اعلام رسمي، ولكن في الربيع العربي فان الجماهير قالت كلمتها.
2 – ليس من السهل العودة للوراء، لكننا سنشهد موجة من التطرف الاعلامي والرهان الاكبر والاساسي هو على الاعلام البديل الذي من الممكن ان نطلق عليه انه اعلام الفقراء والاعلام المتحرر الذي جلب له الملايين والذي يعبر المواطن من خلاله دون المرور بمقص الرقيب، وسيلعب دورا حاسما بعيدا عن سطوة سلطة المال، ولكن يبقى السؤال عن الاجندات السياسية التي قد تلعب وتسيطر على هذا الاعلام.
3 – ان الثورات العربية سيكون لها الدور الحاسم في تحرير الاعلام العربي من القيود التي عانى منها منذ عقود طويلة، لكن الثورات سيزداد تاثيرها تدريجيا ولكن حرية الاعلام لا تتحقق بازالة القيود المفروضة عليها، فالثورات قد تحرر الاعلام ولكنها لا تضمن اعلاما حرا حقيقيا.
4 – ان الثورات أزالت القيود، وممارسة الحرية السياسية تحتاج لمقومات، فكذلك الحال بالنسبة للاعلام.
5 – أصبحت وسائل الإعلام الاجتماعية وسيلة قوية للدفاع عن حرية الصحافة، وعن الحريات عامة. مثلما أصبحت تمثل السلطة الخامسة حيث عجزت وسائل الإعلام التقليدية عن لعب دورها. من هذه الرؤية استطيع ان أشير الى عدم جدوى الحديث عن صمود التقليدي أمام الجديد على قاعدة حلبات المصارعة الحرة وأحكام الضربة القاضية، بل هي بكل تأكيد الدعوة المفتوحة للتكامل بين الوسيلة الإعلامية وبين التكنولوجيا المعاصرة والاستفادة من هذا الابتكار باعتباره فرصة سانحة وعطية مواتية اذا ما لقيت من يتماهى معها بعقل متفتح قادر على الاستثمار في هذا الميدان، وغير غافل عن المتغيرات التي تكتنف المشهد العام ليس على مستوى المؤسسة ولا حتى مربع القطر الواحد، بل هو العالم الأوسع الذي اصبحنا وأمسينا نلامسه بإشارة زر على جهاز الهاتف النقال ومن خلال عوالم الشبكة العنكبوتية التي لاتعد ولا تحصى. فالإعلام التقليدي قادر على ان يتجدد وان يستثمر في متغيرات التكنولوجيا المعاصرة وفي آليات التواصل المتجددة، وان يعبر بها فضاءات القارات بانسيابية مستفيدا من هذا الكم الهائل من الأدوات التي تجعله اقوى، ان هو ثابر من اجل الحصول على التميز وعلى قدم التفرد في تطوير المحتوى الإعلامي.. نصا وصياغة، صورة وحركة، شكلا ومضمونا، رؤية ورسالة، لغة وطرحا، فكرا وحداثة، بحثا وإمعان نظر، نقلا ومعالجة، وأما الوسائل كانت قديمة او متجددة او جديدة فهي في يد القادرين على استيعاب المرحلة ومن يمتلكون القدرة على اتخاذ القرار المناسب المبني على الاستقصاء العلمي لتطبيق افضل الوسائل من اجل إيصال الرسالة الإعلامية.
وحتى تصل الصورة التي اريد بشكل افضل في العلاقة بين المحتوى وبين الوسيلة دعونا نقترب اكثر من مخاض العام 2011 حيث سخونة الأحداث في المنطقة العربية جعلت من الإعلام بشكليه التقليدي او الجديد محط نظر، بل هو التركيز عالي المستوى على ما تبثه هذه الوسائل من معلومات متلاحقة وفي تدفق لا نظير له تقريبا في سنوات سابقة، وكلنا تابعنا مواقع التواصل الاجتماعي وهي من وسائل الإعلام الجديد كما تابعنا القنوات التلفزيونية وهي من الوسائل التقليدية، وكلنا تابعنا التحليلات السياسية المنشورة في الصحف كما شاهدنا اليوتيوب وهو يوثق الأحداث بلقطة حية، لكن ألم نكن كذلك جميعا ولازلنا شهودا على ان الفضائيات وهي من التقليدي كما تصنف استطاعت ان تستثمر في الجديد وتتكئ عليه لنقل الصورة مباشرة من موقع الحدث، الم تتحول مواقع اليوتيوب وما زالت الى أداة فاعلة في يد البث التلفزيوني التقليدي بل تم تطويع بعضا منها لتوجيه الرأي العام في اتجاه ما تقتضيه المواقف السياسية والتحالفات الطارئة، الم تستعن الصحيفة المطبوعة بمواقع فيسبوك وتويتر من اجل نشر مواد خبرية وتصريح هام ورأي موجه.
ومع أن الإعلام الجديد يتشابه مع الإعلام القديم في بعض جوانبه، إلا أنه يتميز عنه بالعديد من السمات التي يمكن إيجازها بما يأتي: التحول من النظام التماثلي الى النظام الرقمي، والتفاعلية، وتفتيت الاتصال، واللاتزامنية، وقابلية التحرك أوالحركية ،وقابلية التحويل، وقابلية التوصيل والشيوع أوالانتشار، والكونية
إن التحديات الأوسع التي نواجهها مع الإعلام الجديد بالتحديد لا تقتصر على الجوانب التكنولوجية في وسائل الإعلام الحديثة، وإنما تشمل أيضاً تحديات (المحتوى) في ما يكتب وينشر ويقال عبر تلك الوسائل بما في ذلك أدوات الإعلام المجتمعي (Social Media).
ولم يكن (الإعلام الجديد) بالضرورة أسرع وأبلغ من التلفزيون وبثه الحيّ المباشر، وإنما أضفى بالتأكيد أبعاداً وإيحاءات جديدة لم نعهدها من قبل، وربما لن نستوعب تأثيرها لوقت طويل قادم.
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤتمر الوطني العراقي
Copyright © 1997-2017 Iraqi National Congress. All rights reserved. info@inciraq.com