العدد 2983 ليوم 05 حزيران 2014
 
 
صحيفة يومية مستقلة شاملة - تأسست في 14 أيار 1993
مواضيع مفضلة
 
بواكيرالمطبوعات السياسية العراقية في العهدين التركي والبريطاني
د . شلال عبد عناد الدليمي
في محاولة لاصلاح ولاية بغداد المهملة قامت الحكومة العثمانية بتعيين (مدحت باشا ) واليا على بغداد وذلك في العام 1869 وقد قام هذا الحاكم باصلاحات مهمة بغية القضاء على عوامل التذمر والشكوى ، ومن اعماله الخالدة قيامه بعد تاسيس مطبعة الولاية باصدار جريدة في بغداد اسماها ( الزوراء ) نسبة الى احدى التسميات القديمة لمدينة بغداد. وقد صدر العدد الاول من الزوراء في يوم الثلاثاء 15 حزيران 1869 باربع صفحات صفحتان باللغة العربية وصفحتان باللغة التركية . واستمرت الجريدة بالصدور المنتظم مدة (49) عاماً حتى احتلال الجيش البريطاني مدينة بغداد في 11 آذار 1917 وبلغ مجموع اصداراتها (2606) اعداد).الجريدة الرسمية الثانية للحكومة العثمانية في العراق، صدر عددها الاول في15 حزيران 1885 في مدينة الموصل باللغتين العربية والتركية، اما الجريدة الثالثة، فقد صدرت في البصرة سنة 1889 باللغتين العربية والتركية).
والصفة الرسمية التي ميزت الصحافة خلال هذه الحقبة، ان الحكم التركي انشأ المطبوعات وجعلها تنطق بأسمه وتعبر عن سياسته وتثني عليه وتخدم اغراضه، فكان هو المشرف على تحريرها وتمويلها وطبعها وتوزيعها، الامر الذي جعلها عاملاً دعائياً للحكومة العثمانية ومرفقاً سياسياً لنقل افكارها واوامرها وقراراتها للآخرين).
اما المجلات التي صدرت في هذه المدة، فكانت ثلاث مجلات دينية مسيحية هي ( اكليل الورود ) التي صدرت في الموصل عام 1902، و ( زهيرة بغداد ) و (الايمان والعمل ) اللتان صدرتا في بغداد عام 1905 .
اما المطبوعات الصحفية فقد كانت لا تمتلك مواصفات الشكل الفني وقواعد الاخراج الصحفي فضلاً عن ندرة الملاكات المتخصصة.
المطبوعات العراقية بعد أعلان الدستور العثماني :
ما ان حصل الانقلاب الدستوري العثماني (1908) حتى قام فريق من مفكري العراق باصدار العديد من المطبوعات على اختلاف اتجاهاتها، ولم تعد المطبوعات العراقية مقتصرة على نشر بيانات وبلاغات الحكومة فقط كما كانت في المرحلة السابقة، حيث اصبح بأمكانها ان تتبنى اراء الجمعيات والاحزاب السياسية، بل اصبح بالامكان ان تقوم الجمعيات السياسية نفسها باصدار صحف ومطبوعات ناطقة بلسانها).
وعلى الرغم من صدور العديد من المطبوعات في مختلف الموضوعات السياسية والاجتماعية، فأن اصدارها ظل مقتصراً على ولايات العراق الثلاث (بغداد، الموصل، البصرة ). وقد صدرت معظم الصحف والمجلات باللغتين العربية والتركية لان التركية كانت لغة الدولة الرسمية.
ولم يصدر أي مطبوع باللغة الكردية حتى عام 1913، حين اصدر جمال بابان في بغداد مجلة (بانكي كورد – نداء الكرد ).
وعلى الرغم من ظهور صحف كثيرة، الا انها لم تكن تصدر بانتظام وبأوقات معلومة بسبب قلة المطابع فلم يكن في العراق حتى الحرب العالمية الاولى سوى اربع مطابع عربية تطبع فيها الصحف والكتب والمجلات والنشرات.
كما ان ضعف الامكانيات الماديه يمكن ان يكون سبباً، في عدم انتظام الصدور حيث ان اصحاب الصحف كانوا عاجزين عن دفع اجر كاتبين اثنين فنجد الواحد منهم يجمع في شخصة بين مالك الجريدة ورئيس التحرير والمخبر ومدير الادارة، وقد يكون الموزع ايضاً).
وقد خضعت المطبوعات العراقية بعد الانقلاب الدستوري الى قانون المطبوعات العثماني الصادر في 16 تموز 1909، حيث اجرت عليه السلطات العثمانية عدة تعديلات ابتداء من عام 1912 حتى عام 1914 .
وهدفت السلطات من هذه التعديلات تضيق الخناق على المطبوعات بشكل عام والصحف السياسية بشكل خاص، إذ نشأت في هذه المدة العديد من الاحزاب في مختلف ارجاء الدولة العثمانية وبدأت تطالب بالاستقلال للاوطان التي تنتسب اليها، واصدرت لذلك عدة صحف ومجلات ونشرات وكراسات كانت تدعو فيها الى الأنفصال، فرأى، الاتراك ان هناك خطراً يهددهم .لذا جاءت هذه التعديلات لتكون رادعاً للمطبوعات السياسية ، وبما ان العراق يعد جزءاً من الدولة العثمانية انذاك، لذا فأن مطبوعاته قد خضعت لهذه التعديلات التي اجريت على القانون الاصلي. والتأليف على ندرته كان محفوفاً بالمخاطر. فكانت المؤلفات تعرض قبل طبعها على المجالس العليا وويل للمؤلف او الطابع ان تغير في الكتاب حرف او زيدت كلمة، وويل له إذا قلل من الدعاء للسلطان وهذا الامر لا ينطبق على الكتب فقط وانما يتعداه الى الصحف ايضاً. إذ كانت الصفحات الاولى من هذه الصحف تبدأ بالدعاء للسلطان، بعبارات طويلة منها « اطال الله عمر مولانا امير المؤمنين، وخليفة رسول رب العالمين، خادم الحرمين الشريفين، وخاقان البرين والبحرين، السلطان بن السلطان، والخاقان بن الخاقان عبد الحميد خان ادام الله عزه واعز جنده واسعد عهده ونشر على بلاد الاعداء راية نصره… الخ « . ان تلك الاحوال السياسية التي مرت على العراق قد كبلت وطوقت التأليف والنشر ولعل ذلك يعود الى خشي الناس بطش الحكام والاعوان وقسوتهم فانصرف اكثر الناس الى كتب الدين، والفقه ، وكتب الاقدمين يتدارسونها ويلتمسون منها العبرة والذكرى، فأنكمش التأليف في المجال السياسي لأنه ربما يدخل المؤلف في مشاكل هو في غنى عنها. ولقد خشي الناس حتى من المؤلفات التي كانوا يحتفظون بها في بيوتهم خشية الوشاية، وكثيراً ما فتشت الدور لهذا الغرض، فكان اصحابها يلقون بها في النهر او النار للتخلص منها. وقد ضاعت اكثر الكتب الثمينة عن هذا الطريق، وإذا اراد احدهم ان يؤلف كتاباً وبعبارة ادق ان يجلب الشر على نفسه فعليه ان يعرض كتابه على لجان تنظر في كل كلمة ومدلولها وقد يطول الانتظار شهوراً عديدة في منحه الاجازة قبل طبعة، ومن ينظر في تلك الكتب المؤلفة تجابهه في مقدمتها تلك الادعيه الطنانه للسلطان والتسبيح بحمده وعدله .وانحسار التأليف في هذه المرحلة يعد امراً طبيعياً بسبب تفشي الامية بين اوساط المجتمع العراقي وقلة عدد المدارس إذ لم يفتح في العراق لغاية عام 1918 سوى عشرون مدرسة ابتدائية للذكور، في حين فتحت خمس مدارس للبنات عام 1920.
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤتمر الوطني العراقي
Copyright © 1997-2017 Iraqi National Congress. All rights reserved. info@inciraq.com